أحدث المواضيعخبر اليومفيديومقالاتمواضيع رئيسية

سيارات بأيد عربية: السيارة الحلفاوية

خالد الناصير

لا يُمكن القول بأنه يوجد صناعة سيارات حقيقية في سوريا، ولكن تُعطينا المركبة الشعبية المُسماة بـ “الحلفاوية” نظرةً على الإمكانيات المُتوافرة في سوريا، لتحويل أية مُكونات ميكانيكية مُتاحة إلى سيارة خدمية.

بدأت، خلال فترة التسعينات، تنتشر في سوريا مركبات ثُلاثية العجلات تُسمى “طريزينة”، تستخدم مُكونات من السيارات، مُحرك وعُلبة تُروس ومحور خلفي، ومُمتصات صدمات، جاءت هذه المركبات كردة فعل على غلاء المركبات الخدمية والتجارية، وكتطوير لفكرة مركبة أصغر حجمًا ووزنًا، تُسمى “طرطيرة”. مع بداية الألفية الجديدة، تطورت “الطريزينة” لتُصبح رُباعية العجلات، مع إدخال تعديلات عليها، جعلتها أكبر وأقوى وأكثر راحةً، سُميت “الحلفاوية”.

وعلى الرغم من انتشار ورشات تصنيعها في عدة مناطق، في أرياف حلب وإدلب ودمشق، إلا أنها حافظت على نسبتها لأول مدينة اشتُهرت بصُنعها، حلفايا، وهي بلدة كبيرة تقع في ريف حماة، غرب سوريا.

تدريجيًا انتشر استخدام هذه المركبة ليصل لمُعظم المناطق الريفية والبادية في سوريا، إذ كانت مركبة العمل المتينة التي تُلبّي جميع حاجات أصحاب الأعمال في تلك المناطق، سواء كانت زراعية أو إنشائية أو أعمال مهنية يدوية، لا بل تم تطويعها في بعض الأحيان لتُصبح صهاريج لنقل المياه أو الوقود. فيما كانت “جمل المحامل” لأهل البادية، حيث استُخدمت لنقل الماشية والمياه، ونقل خيمهم وأغراضهم من منطقةٍ لأخرى.

هذا وازداد الطلب عليها في سنوات الثورة، لرخص ثمنها، وسهولة صيانتها، وقدرتها على تحمل الظروف القاسية خلال التهجير والنزوح.

تمثلت نقاط القوة في هذه السيارت في عدة نقاط، وهي:

– المتانة: وذلك لأنها مصنوعة من الفولاذ عالي الصلابة، مما يُمكنها من حمل أوزان كبيرة، على العكس من مركبات النقل في السوق، التي لا تتجاوز حُمولتها رسميًا طنًّا واحدًا. كما يُساعد ذلك في تحمل الصدمات والحوادث البسيطة.

– حجم الحُمولة: لا يقل حجم الحُمولة التي يُمكن للحلفاوية حملها عن طنّين، وتصل إلى ثلاثة أطنان، بفضل صندوقها العريض والطويل، بينما يتحدد وزن حُمول سيارة النقل الكورية بطن واحد أو طن ونصف.

– توافر المُكونات: تأتي مُكونات هذه السيارة من السوق المحلية، حيث يُوفر تُجّار قطع الغيار مُحركات الديزل وعُلب التُروس ومحاور العجلات، وغيرها، مما يعني لاحقًا سُهولة إصلاح السيارة لدى أي ميكانيكي خبير في إصلاح مُحركات الديزل الكورية.

– السعر: على العُموم، لا يتجاوز سعر السيارة “الحلفاوية” حاجز خمسة آلاف دولار، بينما يبدأ سعر المركبة التجارية الكورية من 14 ألف دولار وصعودًا. يُضاف إلى ذلك، رسوم التسجيل والترخيص السنوية.

– المهام المُتعددة: من بين ألقاب هذه السيارة “الهامر السورية” وذلك لمتانتها وقوتها، وتنوع مجالات عملها، وقُدرتها على تجاوز التضاريس الصعبة، كما يُمكن استخدامها كصهريج لنقل المياه والوقود، وخلال سنين الحرب في سوريا، خاضت العديد من المعارك، من خلال استخدامها لمنصة لحمل الرشاشات الآلية الثقيلة المُضادة للطائرات، ومدافع القذائف المُضادة للدبابات، ولنقل المُقاتلين والعتاد والمُؤن.

ومما لا شكَّ فيه أن للحلفاوية أثرٌ اقتصادي كبير، بدايةً من خلال تحريك سوق تجارة قطع الغيار، وفي صيانة المُحركات القديمة وتجديدها لإعادة استخدامها في هذه السيارات، وإعادة تدوير الأجزاء الصالحة للستخدام المُستخرجة من السيارات القديمة والتالفة في تصنيع مركبة “حلفاوية” جديدة، فضلًا عن تشغيلها لعددٍ كبير من الأيدي العاملة في تصنيع هذه المركبات من الحدادة وتشكيل المعادن إلى الطلاء والتنجيد.

وعلى الرغم من صعوبة تقييم هذا الأثر الاقتصادي، إلا أنه ملموس بالنسبة لمن عاش في مناطق تستخدم مثل هذه المركبات. والأهم من ذلك سعرها الزهيد، الذي لا يتجاوز ثُلث سعر مركبة نقل مُستوردة. حيث كان ثمنها قبل الثورة يتراوح ما بين 80 ألف إلى 200 ألف ليرة سورية (1600 – 4000 دولار أمريكي). فيما لا يقل سعر هيونداي “أتش 100 H/ بورتر Porter” أو كيا “كاي 2400/ 2700/ 3000 K/ فرونتيير بونغو Frontier Bongo” عن 700 ألف ليرة سورية (14 ألف دولار أمريكي). مما أسهم بقوة في دعم قطاع الزراعة والأعمال الإنشائية والتجارية ونقل البضائع في المناطق الريفية.

للأسف، حاربت الحُكومة السورية هذه الصناعة بحجة أنها تُؤثر على الاقتصاد من خلال تقليل نسبة الجمارك ورسوم الترخيص والتسجيل السنوية التي تُدفع عن مركبات النقل المُستوردة، وعمدت لمُصادرة هذه المركبات، ووصل الأمر لاعتقال أصحاب الورشات التصنيع والعاملين في صناعة هذه الصناعة. لذا لا يوجد سوى عدد ضئيل منها مُسجل رسميًا في سجلات النقل وتحمل لوحات أرقام نظامية.

جديرٌ بالذكر أن سوريا عانت نقصًا كبيرًا في السيارات، بسبب ظروف الحصار الاقتصادي في الثمانينات، كما كان الاقتصاد مُوجهًّا، لذا كان اتسيراد السيارات بمُختلف أنواعها مُقَّننًّا ومحصورًا بمُؤسسة “أفتوماشين” الحُكومية، واعتُبرت سيارات الركوب رفاهيةً كبيرة، وفُرضت عليها جمارك باهظة، لذا اعتُبرت السيارات في سوريا سلعًا مُعمرةً … جدًا، وكانت حُلمًا لكثيرٍ من السوريين، حتى للاستخدام التجاري. ولم تُخفف قُيود الاستيراد سوى في السنوات الأولى من الألفية الجديدة، مع دخول السيارات الكورية والصينية والإيرانية.

التصميم:

في الحقيقة لم يخضع تصميم أو تصنيع هذه المركبة لأسس علمية مدروسة، أو أبحاث مُطولة، بل اعتمد على عوامل الخبرة والتجربة والخطأ، كما استند تصميم المركبة إلى فكرة “التصميم يتبع الوظيفة”، كما اعتمد أيضاً على المُكونات المُتوافرة بين أيدي الصانعين، لذا نجد أن تصميمها العام بسيط، ولم يتغيَّر مُنذ أول نموذج لها. في الحقيقة يُمكن القول بأنها التصميم الأكثر وفاءً لفكرة “أبقِها بسيطةً وسهلة KISS” في التصميم.

لذلك جاءت الخُطوط مُربعة ومُستقيمة، بدون الكثير من التفاصيل، أثبت هذا التصميم جدواه في أنه أتاح مكانًا أكبر لوضع المُحرك والمُكونات الميكانيكية، كما سهَّل عملية الصيانة، حيث يُمكن أخذ السيارة إلى أي حدَّاد ليُصلح الهيكل في حال حُصول أضرار فيه، أو إذا استلزم الامر استبدال أي قطعة.

كما يُمكن من خلال هذا التصميم البسيط تعديل السيارة بحسب الحاجة، وهذا ما حصل؛ إذ أصبح بالإمكان صنع مركبات رُباعية الدفع، أو بمقصورة مُزدوجة، لتلبية الحاجات المُختلفة للزبائن.

صناعة السيارة الحلفاوية - سيارة سورية

كيف تُصنع؟

يبدأ صُنع السيارة من ورشة الحدّاد المُتخصص في تصنيع هذه المركبات، حيث يقص الأجزاء المطلوبة من ألواح الفولاذ بسماكات من 1.8 ميلّيمتر إلى ميلّيمترين، حسب الشكل المطلوب لكل جُزء، ومن ثم يجمعها مع بعض، بواسطة اللحام، لتكوين الهيكل وجسم السيارة. بعد ذلك تُرسل للميكانيكي، الذي يعمل على تركيب الأجزاء الميكانيكية، المُحرك وعُلبة التُروس والمحاور ونظام التعليق، والأنظمة الهيدروليكية، ويعمل على مُعايرة نظام الكبح، والتعليق، وما إلى ذلك، وهكذا ينتهي القسم الأول والأهم من العمل.

صناعة السيارة الحلفاوية - سيارة سورية

بعدها تُرسل المركبة إلى ورشة الطلاء، حيث تُنظف وتُغسل من الزُيوت والشُحوم والغُبار، ويتم تشذيب الحواف الخشنة، وتُدهن بدهانات الأساس والحماية من الصدأ، وأخيرًا تُدهن باللون الشائع، الأزرق، ما لم يطلب الزبون لونًا آخر، إضافة إلى خطوط تزيينية ونقشات بألوان أخرى. وبعدها تُرسل السيارة إلى الكهربائي، الذي يعمل على تركيب الأنظمة الكهربائية والمفاتيح وتوصيل الأسلاك، والمُكونات مثل المصابيح والمذياع.

وأخيرًا، تُنقل السيارة إلى ورشة التنجيد والزينة، لتركيب المقصورة والمقاعد، وتنجيدها بحسب طلب الزبون، بالإضافة إلى كتابة العبارات والحكم التي يُحبها السائق، وإضافة الزينة والمُلصقات.

وعلى الرغم من بدائية عملية التصنيع، إلا أنها مُشابهة – إلى حدٍّ ما – لطريقة صنع وتجميع السيارات في ورشات تصنيع السيارات الحسب الطلب Coach-building، والسيارات الفخمة. كما يبقى حجم التصنيع محدودًا بقُدرة ورشات التصنيع، وبحجم الطلب، وبحسب أحد أصحاب ورشات تصنيع هذه السيارات: “أقوم بصناعة ما يُقارب ست سيارات شهريًا، حيث يتم تصنيع سيارة كل خمسة أيام”. كما يزيد الطلب على هذه السيارات في فصل الصيف، مع ذروة الموسم الزراعي والتجاري في الأرياف.

هذا ويدخل العديد من المكونات المحلية في صنُع هذه السيارة، مثل المصابيح والمفاتيح، ومواد التنجيد والقماش، والحديد، والدهانات، واليد العاملة، والزجاج والمرايا، والإطارات، والبطاريات، وبعض المكونات البلاستيكية. ويكاد ينحصر استخدام المكونات المُستوردة في الأنظمة الميكانيكية والإلكترونيات.

السيارة الحلفاوية

ما هي خيارات المُحركات والمُواصفات؟

يأتي المُحرك أساسًا من السيارات القديمة أو التي تعرضت لحوادث، حيث تُستخرج ومن ثم يتم صيانتها وإعادة تأهيليها، أو من تلك التي يستوردها تُجار قطع السيارات من أجل السيارات الموجودة على الطرق.

في البداية كان يتم استخدام مُحركات وعلب تُروس مازدا وميتسوبيشي اليابانيَتَين، ولاحقًا، مع انتشار مركبات النقل الكورية، هيونداي وكيا تحديدًا، تحول الجميع تقريبًا نحو استخدام مُحركات هاتَين الشركتَين، وعادت مُؤخرًا مُحركات ميتسوبيشي، لتُصبح ضمن الخيارات.

قائمة المُحركات:
هيونداي: سعة 2.5 و 2.6 ليترَين.
كيا: سعة 2.4 أو 2.7 ليترَين، أو ثلاثة ليترات.
مازدا: سعة ثلاثة ليترات.
ميتسوبيشي: سعة 2.5 ليترَين.
كما يُمكن إضافة شاحن هواء “توربو” للذين يرغبون بمُحركات بعزم أقوى.

والسبب الرئيس لاستخدام هذه المُحركات هو توافرها ومتانتها، ورخص أسعارها عند التركيب أو الاستبدال، وتوافر قطع غيار لها، وأيضاً سهولة صيانتها في مُعظم أنحاء سوريا.

تتصل المُحركات بعُلب تُروس يدوية، من خمس نسب، وبنظام دفع خلفي، ولكن يُمكن إنتاجها بنظام دفع رُباعي العجلات، حسب الحاجة للاستخدام، وكذا الأمر مع ارتفاع خُلوص السيارة عن الأرض. ويُمكن أن تتجاوز سُرعة السيارة حاجز 120 كيلومتر.

المقصورة:

في البداية كانت مقصورة الحلفاوية بسيطة، لوحة قيادة حديدية، مع بعض العدادات، ومقعد طويل من قطعة واحدة Bench Seat من الإسفنج والفينيل، مع مرور الوقت تطورت المقصورة، حيث أصبحت تضم لوحة قيادة، من سيارات النقل الكورية، ومن لديه الملاءة المالية كان يُركب لوحات قيادة من الشاحنات الخفيفة اليابانية أو الأمريكية، أو من طراز “أتش 1 H/ ستاريكس Starex” الفخم نسبيًا. مع مقاعد سيارات جاهزة من السيارات الكورية أو اليابانية أو الأمريكية. في نهاية المطاف كل شيء مُرتبط برغبات الزبون وملائته المالية.

بالنسبة للمُواصفات، لا يوجد أي مُحددات، سوى خيال الزبون وإمكانياته، وقُدرة ورشات التصنيع على تلبية الطلب. والخيارات الشائعة هي:
– نوافذ ومرايا كهربائية؛
– مُكيف هواء؛
– مذياع مع مُشغل أقراص مُدمجة CD ومُكبرات صوت؛
– جهاز تلفزيون صغير؛
– كشافات ضباب؛
– مقاعد مُستقلة قابلة للتعديل؛
– بوق تنبيه مُتعدد النغمات؛
– قف مركزي وجهاز تحكم عن بعد؛
– فتح غطاء المُحرك آليًا.

طرطيرة سيارة حلفاوية - سيارة صناعة سورية

يُمكن القول بأن كل سيارة مُتفردة بحد ذاتها، ولا تُشبه أي سيارة أخرى، فهي بمُعظمها تُصنع وفق مُواصفات الزبون، واحتياجاته، أو حسب مزاج الشخص المسؤول عن تصنيع السيارة والمُكونات المُتوافرة لديه، وعلى الرغم من أننا نتحدث عن مركبة أعمال، إلا أن الذوق والتفضيلات الشخصية حاضرة بقوة، من خلال الرسومات الفنية والمُلصقات، والحكم المكتوبة على جوانب السيارة.

وعلى الرغم من بدائية هذه السيارات وخطورتها، لافتقادها لكثيرٍ من عناصر السلامة والأمان، وخطورتها على سيارات الركوب الصغيرة على الطرقات السريعة، إلا أنها مثلت ردًا واضحًا وتطبيقًا عمليًا لفكرة الحاجة أم الاختراع، ولقُدرة السوريين على التأقلم وصنع ما يحتاجون له إذا لزم الامر.

أخيرًا، لطالما نظرتُ إلى مُختلف شعوب العالم على أنهم يتشاركون فكرًا إنسانيًا جماعيًا عالميًا، لذا لا تُعتبر فكرة “الحلفاوية” فكرةً مُنعزلةً أو خاصة بسوريا فقط، ففي الفليبين هنالك مركبات “جيبني Jeepney” التي تُستخدم لنقل الركاب والبضائع، حيث كانت تُصنع بالاعتماد على أجزاء من مركبات “جيب” العسكرية، وتطورت لاحقًا لتُصنع بالاعتماد على أجزاء مُعاد تدويرها من الشاحنات اليابانية الخفيفة.

كما يوجد في المناطق الريفية في كولومبيا والإكوادور حافلات شعبية لنقل الركبات، اسمها “حافلات شيفا Chiva Bus” تُصنع على هياكل شاحنات، باستخدام مكونات من المعدن والخشب، مع إضافة مقاعد للركاب، وسلة لحمل الأمتعة الكثيرة فوق الحافلة.

Facebook Comments
الوسوم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

error:
إغلاق
إغلاق